أحمد بن يحيى العمري
295
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
كأنها لأجل عموم الخيل بها سمى كل منها لأجل ذلك سابح ، كلما قلت هذا بحر قد قطعناه أعرض لنا جبل ، وكلما لنا هذا جبل قد طلعناه بان لنا واد ، يشتهون دون الهوى فيه نفاد الأجل . ثم وصلنا إلى كوك صو ، وهو النهر الأزرق الذي رد الملك الكامل منه سنة الدربندات ، لما قصد التوجه إلى الروم ، وللوقت عبرنا ركضا وأعجلت الخيل ، فما درت هل خاضت لجة أم قطعت أرضا ، وبات الناس من بر هذا النهر الآخر ، وأصبحوا متسللين في تلك الشم ، ووقع السنابك يسمع من تلك الجبال الصم ، حتى وصلوا إلى أمجاد دربند ، فما ثبتت يد فرس لمصالحة صفاها ، ولا بغلة لمكافحة رحاها ، ولا رجلة لمطارحة قواها . وتمرنت الخيل على الاقتحام والازدحام في التطرق وتعودت ما تعودت الأوعال في الأوعار من الشرب والتسلق تنحط انحطاط الهيدب ، وترتفع ارتفاع الكوكب ، حتى حصل الخروج من منتهى الدربند ، وبات السلطان في وطأة هناك ، وسمحت السحب بما شاءت من برد وبرد ( المخطوط ص 142 ) ، وجاءت الريح بما ألم الجار ، واستنفذ الجلد ، وانتشرت العساكر حتى ملأت المفاوز ، وملكت الطرق على المار ، وأخذتها على الجائز ، وقد تقدم سنقر الأشقر في الجاليش [ 1 ] فوقع على ثلاثة آلاف فارس من التتار ، مقدمهم كراي ، فانهزموا من بين يديه ، وأخذ منهم من قدم للسيف السلطاني ، فأكل تهمته وأمتار ، واستمرت تلك منه فيمن يؤخذ من التتار ، ويؤسره ، وبات التتر على أجمل ترتيب ونظر ، وبات المسلمون على أجمل تيقظ وحذر . فلما كان يوم الجمعة عاشر ذي القعدة تتابع الخبر بعد الخبر ، بأن القوم قد قربوا ، وأنهم تأبوا ووثبوا ، ووصى السلطان جنوده في التثبت على ما يجب ، وأراهم من نور رأيه ما لا يحتجب . وطلعت العساكر من جبال مشترفة على صخرات منا من بلد ابلستين ، وكان العدو ليلته تلك بايتا على نهر زمان ، وهو أصل نهر جهان ، وأصل اسمه جيحان ،